الشيخ عباس القمي

666

منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل ( ع )

والبارد شيء كثير ، وبقيت إلى العصر . ثمّ دعاني ، فقال : سرّح . ودعا بذلك الطشت ، فسرّحت ، وخرج الدم إلى أن امتلأ الطشت ، فقال : اقطع . فقطعت وشدّ يده ، وردّني إلى الحجرة ، فبتّ فيها . ( 1 ) فلمّا أصبحت وظهرت الشمس دعاني وأحضر ذلك الطشت وقال : سرّح . فسرّحت ، فخرج من يده مثل اللبن الحليب إلى أن امتلأ الطشت ، ثم قال : اقطع . فقطعت ، وشدّ يده ، وقدّم إليّ تخت ثياب وخمسين دينارا وقال : خذها ، وأعذر وانصرف . فأخذت وقلت : يأمرني السيد بخدمة ؟ قال : نعم ، تحسن صحبة من يصحبك من دير العاقول . فصرت إلى بختيشوع ، وقلت له القصّة . فقال : أجمعت الحكماء على أنّ أكثر ما يكون في بدن الانسان سبعة أمنان من الدم ، وهذا الذي حكيت لو خرج من عين ماء لكان عجبا ، وأعجب ما فيه اللبن . ففكّر ساعة ، ثمّ مكثنا ثلاثة ايّام بلياليها نقرأ الكتب على أن نجد لهذه الفصدة ذكرا في العالم فلم نجد ، ثمّ قال : لم تبق اليوم في النصرانية أعلم بالطب من راهب بدير العاقول . ( 2 ) فكتب إليه كتابا يذكر فيه ما جرى ، فخرجت وناديته ، فأشرف عليّ ، فقال : من أنت ؟ قلت : صاحب بختيشوع ؛ قال : أمعك كتابه ؟ قلت : نعم ؛ فأرخى لي زبيلا « 1 » فجعلت الكتاب فيه ، فرفعه فقرأ الكتاب ، ونزل من ساعته . فقال : أنت الذي فصدت الرجل ؟ قلت : نعم . قال : طوبى لأمّك ! وركب بغلا وسرنا ، فوافينا « سرّ من رأى » وقد بقي من الليل ثلثه ، قلت : أين تحبّ : دار أستاذنا ، أم دار الرجل ؟ قال : دار الرجل . ( 3 ) فصرنا إلى بابه قبل الأذان الأول ، ففتح الباب ، وخرج إلينا خادم اسود ، وقال : أيّكما راهب دير العاقول ؟ فقال : أنا جعلت فداك . فقال : انزل . وقال لي الخادم : احتفظ بالبغلين . وأخذ بيده ودخلا ، فأقمت إلى أن أصبحنا وارتفع النهار .

--> ( 1 ) أي القفة أو الجراب أو الوعاء .